مقالات الرأى

الدكتورة منال حسنة تكتب ( المعقد أصبح مؤثرا )

 

المعقد أصبح مؤثراً

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح للمؤثرين دوراً بارزاً في تشكيل أفكار الناس وتوجهاتهم، فمنهم من يقدم محتوى نظيف، ومفيد للمجتمع ومنهم من يوهم جمهوره بأن الحياة تدور حول البذخ، والمال، والمظاهر، مما يتسبب في خلق توقعات غير واقعية قد تؤثر سلباً على نفسية الأفراد، وسعادتهم بسبب محتوى يقتصر على إظهار حياة مليئة بالرفاهية والسفر، أو نصائح مبنية على أسس غير علمية .
هذه الصور المثالية تسلط الضوء على جوانب معينة من الحياة وتغفل عن الصعوبات، والحقائق التي تواجهها أكثر الناس، مما يتسبب في شعور الكثيرين بعدم الرضا عن حياتهم عندما يقارنون الحياة التي يشاهدونها عبر الهواتف الذكية بحياتهم اليومية.

ولكن هل يعرف الناس أن من يشعرهم بعدم الرضا هو شخص يعاني من عقدة في الطفولة، وهذه العقدة تكون إما بسبب تجربة, أو حالة نفسية تتعلق بمواقف، وصراعات عاشها الفرد في سنوات حياته المبكرة، وغالبًا ما تترك آثارًا عميقة على شخصيته وسلوكياته في مرحلة البلوغ.
فلعقدة الطفولة مساهمة في تشكيل شخصية الإنسان الأناني، القاسي، المبذر، الغادر، الجبان، بالإضافة إلى حب السلطة وعدم الاتزان.

فهذا البذخ المبالغ فيه الذي نراه على منصات التواصل الاجتماعية يدل على فقر، وحرمان عاشه المؤثر وهو طفل وعندما سمحت له الفرصة راح ينتقم من فقره بإبتذال.
أما الحقيقة التي يجب أن يعرفها المتابع هو أن من كان معتادا على هذا النمط من الحياة الفارهة لا يهمه بأن يثبته للآخرين.

ولم يقف الأمر هنا بل نرى مؤثرين
يشجعون على الأنانية، وحب الذات المفرط بحجة أنهم خبراء في التنمية البشرية وللأسف نجد بأن لهم متابعين يتأثرون بنصائح ناتجة عن عقدة طفولة المؤثر التي تشير إلى المشاعر والذكريات غير المعالجة، والتي تراكمت خلال مرحلة الطفولة، ومعلومات مبنية على أسس غير علمية.
فالأنانية، والتسلط التي ينصح بها بحجة (نفسك أولا) ما هي إلا نتيجة أن احتياجاته لم تتم تلبيتها في الطفولة، وهذا يؤدي إلى عدم القدرة على التفكير في احتياجات الآخرين، أو أنه تعرض لإهمال عاطفي عندما كان يفتقر في طفولته إلى الرعاية العاطفية والاهتمام من الوالدين، فقد يؤدي ذلك إلى شعور بعدم الأمان والرغبة في تعويض ذلك من خلال تلبية احتياجاته الفورية بشكل مفرط.
أو أنه تعرض لاعتداء أو لإساءة مما أدى إلى تطوير شخصية قاسية وأنانية كوسيلة لحماية النفس، فيظهر القسوة بحجة أنها قوة, وتلك القوة ينصح بها جميع متابعيه والتي تكون استجابة للتحكم أو الألم الذي عانى منه المؤثر.
ونرى البعض يتباهى بحب الطعام، وبزيارة المطاعم وهذا دلالة على فقر وجوع عانى منه المؤثر في الصغر، وأصبح الخروج إلى المطعم وسيلة للهروب من الضغوط أو لإشباع رغبة عميقة في التعبير عن الحب والاهتمام بالذات، وهنا لا نتكلم بالمطلق بل عن الحالات التي تتصرف بإبتذال، وتقدم نصائح بدون مصادر علمية.

فبعد أن كان المؤثر هو الضحية في صغره أصبح الجلاد بحجة الشهرة، فنجد أن المظلوم في الصغر تحول إلى مستبد في الكبر حيث يقوم بتأثير نفسي غير سليم على المتابعين، انتقاما لما مر به فنرى الفوقية و الاستهزاء.

فعندما يقضي الأفراد وقتهم في مشاهدة محتوى يروج للأفضل والأكثر فخامة، قد يشعرون بأنهم أقل شأناً، أو أنهم يفوتون شيئاً مهماً في حياتهم. هذه الصراعات الداخلية قد تؤدي إلى الشعور بالدونية والاكتئاب، شعور يشبه شعور أصحاب الهمم عندما ينظرون إلى الناس الأصحاء الذين يتباهون بغرور و قسوة أمامهم، وهنا ليس العيب في أصحاب الهمم بل العيب في الترويج للصور النمطية التي تعزز معايير غير صحيحة عن النجاح والسعادة و الإنسان، ويستترون وراء آية {و أما بنعمة ربك فحدث 《الضحى١١} للتباهي،ونسوا أنها هذه الآية الكريمة هي لشكر النعم فكانت حدِّث وليس تَحدث، و تجبر.
فالمؤثر الحقيقي السليم يدفع المتابعين لتطوير أنفسهم، والشعور بالرضا، والراحة بعد مشاهدته، وليس العكس كما نرى، و هنا سيكتشف المتابع طبيعة المؤثر و مدى صدق ما يرى.
لذلك يتوجب علينا كأفراد، ومجتمعات أن نكون أكثر وعيًا بالتأثيرات السلبية للمحتوى الذي نستهلكه على مدار اليوم، لكي تكون وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية للتواصل والإلهام بشكل إيجابي. فلابد من دعم الرسائل التي تعزز من قيمة الإنسان بناءً على قدراته ومواهبه، بدلاً من التركيز على الابتذال في المظاهر والثراء كمؤشرات للنجاح والسعادة، و هنا أنوه بأن الثراء شيء جميل و الجميع يسعى إليه ولكن إن خلا من الابتذال، و يتوجب علينا أيضا أن نعلم مصدر معلوماتنا إن كانت صادرة عن أشخاص لديهم تاريخ نفسي سليم، و خبرة علمية، و شهرتهم لم تأتِ نتيجة لفيديو تافه.

الدكتورة منال حسنة تكتب ( المعقد أصبح مؤثرا )
الدكتورة منال حسنة تكتب ( المعقد أصبح مؤثرا )

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى