مقالات الرأى

محمد المصطفى يكتب: ذوو الهمم وأصحاب الحقوق

تداول «السوشيالجية» فيديو من بورسعيد لسيدة سبعينية تحمل رجلاً، وبالبحث ظهر أنه ابنها، صاحب إعاقات متعددة ذهنية وحركية، تحمله منذ خرج من رحمها وحتى اليوم، وهو فى منتصف الأربعينيات، وهى فى السبعينيات.. نعم، سبعينية مازالت تحمل ابنها كما لو كان طفلاً صغيراً؛ السيدة «وفاء» جسدت مشهدًا يشرح شيئاً من اسمها وقضيتها، واختصرت معانى الأمومة فى أقسى وأبهى صورها، وحين سُئلت تعجبت! وردت السؤال بسؤال: «لماذا تسألوننى الآن وأنا أحمله من طفولته؟»، وبمزيد من الوفاء، تُخرس التطفل الإلكترونى وعدسة العين وعدسة الكاميرا، قالت: «مالوش غيرى».

وفى بنى سويف، قبل سنوات، طفل لا يتجاوز الرابعة عشرة صار بطلًا صغيرًا؛ يحمل شقيقه الأصغر، المريض بتليف فى الكلى، ثلاث مرات كل أسبوع من قريته إلى القاهرة؛ يبدأ رحلته فجرًا، يقطع الطريق بالقطار، ثم يواصل إلى مستشفى الدمرداش حيث ينتظر شقيقه جلسة غسيل الكلى، الأب مشغول بالعمل، والأم ترعى باقى الأبناء، فصار الحمل كله على كتفيه الصغيرتين، الرجل البطل الصغير يقول لمن سألوه: «كل التعب يهون عشان أخويا يخف».. مشهد آخر يضع الطفولة فى مواجهة مباشرة غير متكافئة مع قسوة الحياة.

صديق طفولتى، ترك اليتم المبكر فى قلبه شجًا عميقًا؛ كنا صغارًا جدًا يوم وفاة والده، تخلفنا عن الجنازة واقتسمنا نصف الرغيف، وما زلنا نقتسم الكتب المستعارة، حقيقةً، علمه فقدان والديه مبكرًا صبرًا غير الصبر المعروف، وعمقًا أحيانًا أحسده عليه، تزوج وأنجب طفلاً جميلاً، لكن الطفل يكبر ويكبر معه سكوته؛ لا يتحدث، ولا يتفاعل مع الغير بسهولة، تحتار دائرته فيما يريد، لا يجيد التعبير لكنه شديد الحساسية، تسعى لأن تلبى له طلبه ما بين حرصك على رضاه وخوفك على «زعله»، تجده أحياناً مبتسماً ابتسامة ملائكية ناصعة ومشرقة، وأخرى ساكتاً كأنه يحمل على رأسه عقودًا من الوجع، يميل إلى الخروج مع والده، يمشى ليلاً لكيلومترات برفقته مشرقًا حالمًا كمن يعيش سعادة تملأ حياته.

يبتلع صديقى تساؤلات الناس- عصيّة الهضم- عن سكوت ابنه، وأغلب الاستفسارات تخترق الخصوصيّة؛ هو ممزق بين عمل يستهلك ساعات طويلة، وبين قلق لا يهدأ على ولده، وبين حياة اجتماعية باتت شبه منقطعة؛ هو وزوجته انسحبا من دوائر الزيارات والتواصل واللقاءات، ليس كرهًا فى الناس، بل تمسكاً بكنز الخصوصية، واقتساماً للمعاناة بصمت أنيق.

لو مضغ كل مستفسر استفساره وابتلعه ربما مات مسمومًا؛ الحكايات كثيرة، والأبواب مغلقة على بيوت مليئة بألوان وأشكال من المعاناة التى لا تنتهى، ومن راقب معاناة الناس هانت عليه أزماته، وزادت قدرته على الامتنان والجلد والتحمل؛ الإعاقات موجودة فى كل شارع، وربما فى كل عمارة، لكن أصحابها ليسوا بالضرورة هم «ذوو الهمم»؛ الهمم الحقيقية هى تلك القوة الخفية التى تسكن أجساد الأمهات والآباء، وتبحر فى عروق الإخوة والأصدقاء؛ أولئك الذين يحولون عجزهم الشخصى إلى طاقة جبارة لتهيئة الظروف لغيرهم، ليجعلوا صاحب الإعاقة قادرًا على أن يتنفس حياةً أقرب إلى الطبيعية.

تطل إشكالية «التسمية» فى لغتنا الجميلة؛ طالما أشفقت على من يحاول تعلم العربية من غير الناطقين بها وإتقانها؛ فى لغة «الضاد» تأخذ المفردة الواحدة أكثر من معنى بتغير حركة على حرف واحد، فجماليات اللغة وحركاتها تتراقص برشاقة، لكن هذه اللغة الشاعرية لا يجب أن تُستخدم لتجميل الواقع بعبارات تخفى وراءها قصوراً مجتمعياً؛ فليس كل صاحب إعاقة هو «صاحب همة» لأن الإعاقة فى حد ذاتها لا تحتاج إلى بطولة وهمية، بل يحتاج أصحابها وذووهم إلى بيئة عادلة يتسع لها الواقع والمجتمع.

المجتمع الذى يكتفى بإطلاق الألقاب تجملاً؛ يتهرب من مسؤوليته فى فتح الأبواب المغلقة وتوفير التمكين العادل، وتقديم الفرص بلا تمييز؛ فالغالبية من أصحاب الإعاقات ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا أبطالاً خارقين للاعتراف بوجودهم، لأنهم أفراد لهم حقوق أصيلة فى الانطلاق والتعليم، والعمل، والتنقل بسلاسة، وبيئة عادلة تضمن كرامتهم، وحصرهم فى قالب «الهمة» يظلم من لا يملك القدرة على الإنجاز الاستثنائى، ويجعل من الرعاية العادية فضلاً لا حقاً.

من يحمل الهمّ حقاً هم من يرافقون أصحاب الإعاقات فى يومياتهم وتفاصيل رحلتهم الشاقة، من يضحّون بصحتهم وراحتهم وسنوات عمرهم ليظلوا سنداً بِهمّة؛ من أهلهم وأصدقائهم الذين انصهرت أرواحهم فى خدمة أحبائهم، تلك الأرواح التى تحول العجز الشخصى إلى طاقة جبارة، ويخلقون لأحبائهم رئة قادرة على استنشاق حياة طبيعية؛ كل فرد، وكل دائرة تحيط بأى صاحب إعاقة، هم «ذوو الهمم» الحقيقيون الذين يستحقون الانحناء والتقدير.

محمد المصطفى يكتب: "ما بين الكلمات والواقع.. كيف نحتضن الاختلاف بحق؟"
محمد المصطفى يكتب: “ما بين الكلمات والواقع.. كيف نحتضن الاختلاف بحق؟”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى