مقالات الرأىسلايدر

إبراهيم نوار يكتب .. فلسفة المواجهة مع وباء كورونا

 

في كل الأوبئة التي تعرضت لها البشرية منذ جاء وباء الطاعون إلى مصر القديمة من إثيوبيا، وانتقل منها إلى أثينا، حتى جاء وباء فيروس كورونا أو (كوفيد -19) من الصين وانتقل منها إلى العالم، تعلمت البشرية دروسا كثيرة، أولها أن العدوى بالوباء لا تعم، لكنها تنتشر بمعدلات متفاوتة بين الناس وخلال الأماكن. وأخرها أن الفيروسات أو الجراثيم المسببة للأوبئة تشاركنا الحياة، وانها تعيش وتتكاثر، إلا إذا فرض الإنسان عليها قيودا، مستخدما العلم والمعرفة. ولا يعلم الإنسان ولا يعرف إلا إذا استخدم عقله، فإن هو تركه، فهو والحيوان سواء.

ومنذ استطاع العلماء في (ووهان) التعرف على فيروس كورونا، وتمكنوا من فصله من عينات المصابين، يخضع الفيروس لدراسات جادة وعميقة من اهل العلم في جميع أنحاء العالم. لكننا ما نزال، ونحن في الشهر الخامس من بداية معرفتنا بالفيروس، نجهل الكثير عنه. ما زلنا نجهل لماذا يصيب الرجال أكثر من النساء، ولماذا تقل الإصابة بين الأطفال، بينما يتشبث الفيروس بخلايا كبار السن عندما يصيبهم حتى يقتل منهم نسبة كبيرة.

عندما ظهر الفيروس اعتقد العلماء أنه يصيب كبار السن فقط، لكن هذا الاعتقاد سقط عندما رأينا الفيروس يقتل شبابا في عمر الزهور. وبقي الأطفال في نظر الكثيرين من العلماء في حصن من الموت بالفيروس، حتى مات في الأسبوع الماضي عدد من الأطفال والصبية في نيويورك، وهم يعانون من أعراض لم تتشابه مع الأعراض التقليدية للإصابة بفيروس كورونا. وظل الأطباء يعتقدون ان فيروس كوفيد-19 يصيب الجهاز التنفسي فقط، لكنهم عرفوا الآن أنه أيضا يصيب القلب والكلى والكبد وكثيرا من أعضاء الجسم حتى العينين والخصيتين.

إن المعرفة بفيروس كورونا المستجد ما تزال في بدايتها، ولذلك فإن منظمة الصحة العالمية قالت إنه سيتعين على الإنسان التعايش مع الفيروس في الوقت الحاضر، لأن الحياة لن تتوقف. البعض فهم هذه الرسالة على الوجه التالي : الفيروس قدر محتوم، والموت واحد وإن تعددت الأسباب، فإذا كان الفيروس سببا من أسباب الموت، فهذا من عند الله. هذا الفهم لرسالة منظمة الصحة العالمية في الوقت الحاضر هو فهم قاصر، أولا لأن المولى عز وجل جعل لكل داء دواء. وثانيا، لأن تلك الرسالة في مضمونها توجه الناس والحكومات إلى ضرورة استمرار العمل لوضع الفيروس تحت السيطرة والحد من انتشار العدوى وتقليل الوفيات.

وبعيدا عن التفاصيل، فإن فلسفة مكافحة الفيروس تنطلق في ثلاثة مسارات متوازية، وليست تبادلية. المسار الأول هو الحد من انتقال العدوى بالفيروس من شخص الي آخر. وهذا يبدأ من غسل اليدين بطريقة سليمة واستخدام المطهرات والتعقيم لنظافة الأماكن والأشياء التي يستعملها الفرد، وجميع ما يضمن وقاية الشخص السليم من الإصابة بالفيروس، مثل إجراءات التباعد الجسدي وارتداء الكمامة أثناء الخروج من المنزل، وغير ذلك من الإجراءات. وتصل ذروة هذا المسار إلى الحد من انتقال العدوى عن طريق عزل الشخص المشتبه في إصابته بالفيروس.

الهدف الرئيسي في هذا المسار الأساسي هو تقليل معدل انتشار العدوى، ولقياس هذا المعدل فإن علماء الطب والأحياء والإحصاء طوروا معاملا للقياس يعرف بالرمز R ويستخدم على نطاق واسع الآن في كل أنحاء العالم لقياس أثر السياسات المتبعة في مكافحة الفيروس. وتهدف كل هذه السياسات إلى تخفيض قيمة R إلى أدنى حد ممكن تحت الواحد الصحيح، وهو ما يعبر عن انخفاض انتشار العدوى، حتى يمكن السيطرة على الفيروس تماما. وسوف نلاحظ في أوروبا والولايات المتحدة أن قياس خطورة مراحل الوباء يرتبط بقيمة R ، فإذا كانت القيمة اكثر من واحد صحيح، فهذا يعني أن الفيروس ما يزال حرا طليقا، أما تخفيضه إلى ما يقرب من الصفر، فإنه يعني أن الفيروس تحت السيطرة كما هو الحال الآن في الصين وكوريا الجنوبية وألمانيا.

المسار الثاني هو الحد من تكاثر الفيروس داخل جسم الإنسان المصاب فعلا بالعدوى. ويبدأ هذا المسار بالفحص اللازم للكشف عن إصابة الشخص بالفيروس، فإذا جاءت النتيجة إيجابية فلا يجوز ترك الفيروس لحاله يفترس خلايا الفرد كما يشاء، وإنما يتعين فورا نقل الفرد إلى المستشفى لينال القدر الكافي من الرعاية الطبية التي تساعد جهازه المناعي على مقاومة هجوم الفيروس لغاية الإنتصار عليه، والشفاء من المرض.

هذا المسار يتطلب توفر عدة شروط لتحققه، هي وجود أجهزة كافية للفحص والكشف عن الفيروس ، ووجود أَسِرّة كافية وملائمة لاستقبال المرضى بالفيروس في المستشفيات ، ووجود العدد الكافي من الاطباء والممرضين والمسعفين والمساعدين للعناية بالمصابين بالفيروس، ووجود المعدات والأجهزة والمسلتزمات الضرورية لإعانة طواقم الرعاية الطبية على العمل وأداء واجباتهم، إبتداء من لوازم حمايتهم ووقايتهم وتوفير كل وسائل السلامة والوقاية اللازمة لهم، من وسائل انتقال ورعاية شخصية وتغذية ونظافة، للمحافظة عليهم.

وتتضمن احتياجات الرعاية الطبية كذلك توفير العدد الكافي من وحدات الرعاية المركزة، بكل ما يلزمها من معامل وأجهزة وأدوات بما في ذلك أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة قياس عمل القلب والغسيل الكلوي وكافة أجهزة القياس الطبية المتقدمة التي تساعد الأطباء على تقديم أقصى ما يمكن من الرعاية الطبية للمحافظة على صحة المصابين بالفيروس وانقاذ حياتهم.

إن فشل المستشفيات في استقبال المصابين بالفيروس، لعدم وجود أسرة كافية، أو عدم وجود غرف رعاية مركزة او لنقص عدد الأطباء او الممرضين يكون بمثابة إعلان بانهيار نظام الرعاية الطبية. إن طاقة التشغيل الصحيحة لنظام الرعاية الطبية يجب أن تتمتع دائما بوجود إمكانات بشرية ومادية خالية وفائضة تكفى لاستقبال حالات طارئة وتمنع الإنهيار التام.

أما المسار الثالث والأخير من المسارات الثلاثة المتوازية لمواجهة وباء كورونا، فإنه يتمثل في تطوير أدوية ولقاحات وأمصال لعلاج المصابين والوقاية من الإصابة لغير المصابين، بحيث يتم قطع الطريق على الفيروس ومنعه من التكاثر في جسم الإنسان المصاب. وهناك طريقين يراهما الأطباء حتى الآن متلازمين، الأول هو تطوير دواء لعلاج المضاعفات التي تصيب الإنسان بعد نجاح الفيروس بالدخول إلى الجسم. من ذلك على سبيل المثال تطوير أدوية تساعد على الحد من الالتهاب الرئوي الذي يتسبب الفيروس في حدوثه، بما يحافظ على قدرة الرئة على استخلاص الأوكسجين اللازم لاستمرار الحياة. ويعتقد بعض الأطباء انه حتى في حال تطوير لقاح او مصل للوقاية من الإصابة بالفيروس، فستظل هناك دائما حاجة للأدوية للعلاج. وقد تم فعلا تطوير دوائين، يتم اختبارهما على نطاق واسع في العالم حاليا هما (أفيجان) الذي تنتحه إحدى الشركات اليابانية، و (ريمديسفير) الذي تنتجه شركة أمريكية. ولم يتم حتى الآن التصريح بإنتاج اي منهما على نطاق تجاري. وهناك تجارب أخرى تجري على أدوية مماثلة بواسطة عدد من شركات الأدوية العالمية.

أما بالنسبة للامصال فهناك 7 أمصال دخلت نطاق التجارب الإكلينيكية المتقدمة، منها أربعة تم تطويرها في الصين، من المرجح أن يبدأ الإنتاج التجريبي لاثنين منهما في صيف العام الحالي. الأمصال الثلاثة الأخرى منها واحد يتم تطويره في بريطانيا بالتعاون بين مختبرات جامعة أكسفورد وشركة صناعة الأدوية البريطانية أسترا زينيكا، وقد بدأت تجارب المرحلة الثانية الإكلينيكية في الأسبوع الماضي على عينة من الأشخاص الأصحاء، كما تم امس (14 مايو) إعلان نجاح التجربة الأولى للمصل على إحدى القردة، وقال الخبراء الذين اشرفوا على التجربة إن النتيجة مبشرة جدا بنجاح كبير. أيضا يتم تطوير مصل في الولايات المتحدة، كما تتعاون شركات من ألمانيا والولايات المتحدة في إنتاج مصل آخر.

نخلص مما ذكرنا عما نعرفه عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) أن اي استراتيجية لمكافحة الوباء يجب أن تتضمن كافة العناصر والأدوات والاساليب الكافية تماما لتحقيق ثلاثة أهداف، الهدف الأول هو قطع الطريق على الفيروس للإنتقال من شخص إلى آخر، اي الحد من انتشار العدوي. الهدف الثاني هو قطع الطريق على الفيروس للتكاثر داخل خلايا الإنسان المصاب، اي توفير الرعاية الطبية الكاملة للمصابين. أما الهدف الثالث فهو تحصين الأفراد ضد الإصابة بالفيروس وتوفير أدوية فعالة للعلاج في حال الإصابة، بما يمنع حدوث مضاعفات تصيب الأجهزة الحيوية الضرورية لحياة الإنسان الفرد.

لكن أي استراتيجية لا تقتصر على تحديد الأهداف والوسائل والاساليب وإنما تتضمن أيضا كيفية توفير إمكانات التطبيق. على سبيل المثال عندما تقول وزارة الصحة بضرورة ارتداء الكمامة أثناء الخروج من المنزل، فهذا يتطلب توفير الكمامات بكمية كافية ومتاحة وبأسعار مناسبة للجميع، وألا تتحول التوصية بارتداء الكمامة إلى فرصة للربح يستغلها الانتهازيون لتحقيق أرباح إستثنائية. وعندما نتحدث عن قياس درجة الحرارة وإجراء فحص الكشف عن الفيروس او عن الأجسام المضادة، فيجب ان تكون إمكانيات تحقيق ذلك متوفرة ومتاحة للجميع وفي متناول اليد. وعندما نتحدث عن الرعاية الطبية الكاملة فإننا يجب أن يضمن وجود الاعداد الكافية من الأطباء والممرضين والمسعفين وسيارات الإسعاف المجهزة والأسرة في المستشفيات، ووحدات العناية المركزة المجهزة بكل الاحتياجات.

وفي النهاية نقول أنه سواء تحدثنا عن استراتيجية لمكافحة الوباء، أو عن استراتيجية للخروج من الإجراءات الإحترازية لمكافحة الوباء، فإننا يجب أن نعلم أن طرفا واحدا لن يستطيع وحده القيام بكل المسؤوليات المطلوبة في الحالتين. ولهذا فإن العالم كله يتجه الان الى تشكيل نماذج جديدة من للتفاعل تسمح بالنجاح في مكافحة الوباء، والنجاح في العودة إلى الحياة الطبيعية. ويطور حزب العمال البريطاني حاليا ، بعناية شديدة ، نموذجا يطلق عليه Social Partnership Model يتم بواسطته ومن خلاله تطوير استراتيجية التعامل مع فيروس كورونا وما بعد ذلك. ويتم حاليا اختبار هذا النموذج في ويلز حيث يتمتع العمال بالاغلبية. ويعتمد هذا النموذج، كما هو واضح من إسمه، على التعاون الكامل، بدءا من اتخاذ القرار وحتى تقييم الإجراءات، بين الحكومة والنقابات ومؤسسات الأعمال والجامعات ومعاهد البحوث وغيرها في كل ما يتعلق باستراتيجية التعامل مع الفيروس وتطويرها من يوم إلى آخر.

اقرأ أيضًا 

خطة الصحة للتعايش مع كورونا: المصاب بأعراض بسيطة يلزم المنزل وارتداء الكمامات ضروري

المساجد وصالات الجيم والمدارس والمقاهي.. خطة الحكومة للتعايش مع كورونا

 

مقالات ذات صلة

ما تعليقك على هذا الموضوع ؟ ضعه هنا

زر الذهاب إلى الأعلى